السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
224
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
وقال إن الملك أمر بإخراجك من السجن بلا عودة ، وطلب مقابلتك ليوليك أمره ، فودع أهل السجن ودعا لهم بخير ، ولما خرج أسفوا كلهم على فراقه وفرحوا بخروجه ، قالوا ولما خرج كتب على باب السجن هذا بيت البلاء ، وقبر الأحياء ، وشماتة الأعداء ، وتجربة الأصدقاء . ثم اغتسل خارجه ولبس ثيابه وتوجه نحو الملك ، فلما قرب منه قال حسبي ربّي من دنياي ، حسبي ربي من خلقه ، عز جارك يا اللّه وجلّ ثناؤك ولا إله غيرك . ولما وقف بين يديه وأبصره قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره وشر غيره . وسلم عليه بالعربية ، فقال له ما هذا اللسان ؟ قال لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له بالعبرانية ، فقال له ما هذا اللسان ؟ قال هذا لسان آبائي ، قالوا وكان الملك يحسن سبعين لغة ، فكلمه بها كلها ، فأجابه بما يكلمه ، وزاد عليه بالعبرية والعربية ، فأعجب به غاية الإعجاب وقربه وأجلسه بجانبه ، قالوا وكان خروجه من السجن بعد بلوغه الأربعين سنة من عمره ، لأنه أدخل فيه بعد كمال الثالثة والثلاثين وبقي فيه سبع سنين على أصح الأقوال ، وما قيل إنه لبث في السجن خمس سنين قبل أن أوصى ساقي الملك ليعرض أمره على ربه فليس بشيء ، لأنه دخل معه وخرج بعد تعبير الرؤيا بثلاثة أيام ، ولأنه حين خرج كان عمره أربعين سنة وإذا مشينا على هذا القيل يكون عمره إذ ذاك خمسا وأربعين سنة ، ولم يقل به أحد . قال تعالى « فَلَمَّا كَلَّمَهُ » وشاهد منه ما لم يكن بالحسبان وما وقع منه حين مواجهة الملك من الاحترام اللائق به مما أعجب الملك ودهش منه كان بتعليم اللّه تعالى ، لأن الملوك لا يبدءون بالكلام بل بالتحية والدعاء فقط ، ثم يسكت أمامهم حتى يكون الملك البادئ ثم يجاب على قدر السؤال ، فلما رآه الملك واقفا على هذه الأصول وزيادة لم يرها من غيره أقبل عليه وخاطبه بقوله كما حكى اللّه عنه « قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ » ذو مكانة عالية ومنزلة سامية « أَمِينٌ 54 » ذو مقام مؤتمن على أسرارنا وعلى خزائننا ، قالوا وقال الملك يا يوسف أحب أن أسمع منك تأويل الرؤيا فقصّها كما رآها ثم قص له تأويلها كما ذكره أولا ، فقال واللّه ما أخطأت منها شيئا ، وإنها كانت عجبا وما سمعته منك أعجب ، لأنك أخبرتني عن شيء رأيته أنا وأوّلته